الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
215
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
إنّ قول الشافعي هو الصحيح ، وهو اختيار علمائنا . ولم أدر من يعنيه من علمائنا فإنّي لا أعرف للمالكية مخالفا لمالك في هذا . والقول في الطير كالقول في الصغير وفي الدوابّ ، وكذلك القول في العظيم من الحيوان كالفيل والزرافة فيرجع إلى الإطعام . ولمّا سمّى اللّه هذا جزاء وجعله مماثلا للمصيد دلّنا على أنّ من تكرّر منه قتل الصيد وهو محرم وجب عليه جزاء لكلّ دابّة قتلها ، خلافا لداود الظاهري ، فإنّ الشيئين من نوع واحد لا يماثلهما شيء واحد من ذلك النوع ، ولأنه قد تقتل أشياء مختلفة النوع فكيف يكون شيء من نوع مماثلا لجميع ما قتله . وقرأ جمهور القرّاء فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ بإضافة فَجَزاءٌ إلى مِثْلُ ؛ فيكون فَجَزاءٌ مصدرا بدلا عن الفعل ، ويكون مِثْلُ ما قَتَلَ فاعل المصدر أضيف إليه مصدره . و مِنَ النَّعَمِ بيان المثل لا ل ما قَتَلَ . والتقدير : فمثل ما قتل من النعم يجزئ جزاء ما قتله ، أي يكافئ ويعوّض ما قتله . وإسناد الجزاء إلى المثل إسناد على طريقة المجاز العقلي . ولك أن تجعل الإضافة بيانية ، أي فجزاء هو مثل ما قتل ، والإضافة تكون لأدنى ملابسة . ونظيره قوله تعالى : فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا [ سبأ : 37 ] . وهذا نظم بديع على حدّ قوله تعالى : وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [ النساء : 92 ] ، أي فليحرّر رقبة . وجعله صاحب « الكشاف » من إضافة المصدر إلى المفعول ، أي فليجز مثل ما قتل . وهو يقتضي أن يكون النعم هو المعوّض لا العوض لأنّ العوض يتعدّى إليه فعل ( جزى ) بالباء ويتعدّى إلى المعوّض بنفسه . تقول : جزيت ما أتلفته بكذا درهما ، ولا تقول : جزيت كذا درهما بما أتلفته ، فلذلك اضطرّ الذين قدّروا هذا القول إلى جعل لفظ ( مثل ) مقحما . ونظّروه بقولهم : « مثلك لا يبخل » ، كما قال ابن عطية وهو معاصر للزمخشري . وسكت صاحب « الكشاف » عن الخوض في ذلك وقرّر القطب كلام « الكشاف » على لزوم جعل لفظ مِثْلُ مقحما وأنّ الكلام على وجه الكناية ، يعني نظير لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] وكذلك ألزمه إياه التفتازانيّ ، واعتذر عن عدم التصريح به في كلامه بأنّ الزمخشري بصدد بيان الجزاء لا بصدد بيان أنّ عليه جزاء ما قتل . وهو اعتذار ضعيف . فالوجه أن لا حاجة إلى هذا التقدير من أصله . وقد اجترأ الطبري فقال : أن لا وجه لقراءة الإضافة وذلك وهم منه وغفلة من وجوه تصاريف الكلام العربي . وقرأ عاصم ، وحمزة ، ويعقوب ، والكسائي ، وخلف فَجَزاءٌ مِثْلُ بتنوين ( جزاء ) . ورفع ( مثل ) على تقدير : فالجزاء هو مثل ، على أنّ الجزاء مصدر أطلق على اسم